الشيخ الطبرسي

17

تفسير مجمع البيان

تعالى ( وجعلوا لله شركاء الجن ) في أن المفعول الثاني من هذا الباب قد تقدم على المفعول الأول . ولو قرأ بالرفع ( هارون ) لكان خبر مبتدأ محذوف ، كأنه قيل : من هذا الوزير ؟ فقيل : هو هارون . و ( كثيرا ) : نعت مصدر محذوف في الموضعين أي : تسبيحا كثيرا ، وذكرا كثيرا . ويجوز أن يكون نعتا لظرف محذوف تقديره : نسبحك وقتا كثيرا ، ونذكرك وقتا كثيرا . المعنى : ثم بين سبحانه ما أعطى موسى من المعجزات ، فقال : ( وما تلك بيمينك يا موسى ) سأله عما في يده من العصا تنبيها له عليها ، ليقع المعجز بها بعد التثبت فيها ، والتأمل لها . ( قال ) موسى ( هي عصاي أتوكأ عليها ) أي : أعتمد عليها إذا مشيت . والتوكؤ : التحامل على العصا في المشي ( وأهش بها على غنمي ) أي . وأخبط بها ورق الشجر لترعاه غنمي . ( ولي فيها مآرب أخرى ) ولم يقل ( أخر ) ليوافق رؤوس الآي . أي : حاجات أخرى ، فنص على اللازم ، وكنى عن العارض . قال ابن عباس . كان يحمل عليها زاده ، ويركزها فيخرج منه الماء ، ويضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل ، وكان يطرد بها السباع . وإذا ظهر عدو حاربت . وإذا أراد الاستسقاء من بئر طالت وصارت شعبتاها كالدلو . وكان يظهر عليها كالشمعة فتضئ له الليل . وكانت تحدثه وتؤنسه . وإذا طالت شجرة حناها بمحجنها ( 1 ) . ( قال ) الله سبحانه ( ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى ) أي : تمشي بسرعة . وقيل : صارت حية صفراء لها عرف كعرف الفرس ، وجعلت تتورم حتى صارت ثعبانا ، وهي أكبر من الحيات ، عن ابن عباس . وقيل : إنه ألقاها ، وحانت منه نظرة ، فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون ، ويمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلقمها ، وتطعن أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فتجثها ( 2 ) ، وعيناه تتوقدان نارا . وقد عاد المحجن عنقا فيه شعر مثل النيازك ( 3 ) . فلما عاين ذلك ولى مدبرا ولم يعقب . ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ، ثم نودي . يا موسى ! إرجع إلى حيث كنت . فرجع وهو شديد الخوف . ف‍ ( قال خذهما ) بيمينك ( ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى ) أي . سنعيدها

--> ( 1 ) المحجن : المنعطف الرأس . ( 2 ) جث الشئ : قلعه من أصله . ( 3 ) جمع النيزك : الرمح القصير .